السيد كمال الحيدري

384

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

والمدني ، وما أثاره من شبهات ، فإنَّ موضوعة المكّي والمدني هي من البحوث المتميّزة التي تترتّب عليه ثمرات مهمّة ، أهمّها الثمرات الفقهية ، كما سيأتي . خلفية تقسيمات المكّي والمدني وفي ضوء المكّي والمدني تمَّ تقسيم القرآن إلى شطرين في ضوء النزول المكاني ، أو الزماني ، أو الخطابي ، فعلى المكاني يكون المكّي ما نزل في مكّة ، وإن كان ذلك بعد الهجرة ، وهو أمر مُمكن ، بل وواقع أيضاً ، ويكون المدني ما نزل منه في المدينة ، وعلى الزماني فذلك بمقياس الهجرة ، فما نزل قبل الهجرة فهو مكّي ، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني وإن نزل بمكّة ، من قبيل ما نزل عليه صلى الله عليه وآله في عام فتح مكّة ، وفي غدير خم بعد حجّة الوداع مُباشرة ، وهذا واضح . وأما التشطير الخطابي للمكّي والمدني فيُراد به أنَّ ما وقع منه خطاباً لأهل مكّة فهو مكّي ، وما وقع منه خطاباً لأهل المدينة فهو مدني ، وهو قول لا يُعتدّ به ، بل ولا مجال للقبول به ، لأنَّ القرآن الكريم لم يُخاطب جهة بعينها ، وإنما خاطب الإنسان في كلّ زمان ومكان . وعلى أيّ حال ، فإنَّ التشطيرين الأوّلين يُمكن أن ينتهيا بنا إلى نتائج مختلفة ، ولو على مستوى الظاهر ، من قبيل أنَّ الآية الكريمة : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( المائدة : 67 ) ، باللحاظ المكاني تكون مكّية ، وباللحاظ الزماني تكون مدنية . وظاهر كلمات الأعلام اعتماد التصنيف الزماني ، وهو المشهور في قبال من يقول بالمكاني ، ولا ريب بأنَّ المشهور هو الأولى بالاتباع ، لأنه يحفظ لنا الهويّة الزمانية للنصّ ، وهذا الهويّة تتوقّف عليها ثمرات مهمّة .